Advanced

طـفــولة قـلــب - سلمان العودة

إلى أطفال العالم .. حيثما لعبوا
كنت يوماً ما أحدكم
إلى شيوخ العالم..حيثما تعبوا
ربما أكون يوماً ما .. أحدكم
سلمان العودة
بهذه الكلمات والمشاعر استهل العودة كتابه ، إنه من الكتب التي تشعر بروحها وتتلمّس حروفها وحياة كلماتها  "طفولة قلب " حديث نفس على العلن حول مسيرة حياة مليئة بالأحداث و العبر و الأفراح و الأتراح .
كتاب يحكي فيه على لسان روحه مراحل صناعة رجل من رجالات الدعوة والمواقف التي ألمّت به من ولادته ، مرورا بمرحلة المدرسة ثم المعهد العلمي ثم مرحلة إلقاء المحاضرات ثم عطفا على غياهب السجن وظلمات الأسى والحزن وصولاً إلى الصفاء والسكينة الذي يعيشه الآن .
ليست مجرد سيرة لرجل بارز على الصعيد الدعوي والعالمي ، بل هو مخزون وكنز مكنون من المعلومات والأحداث والآراء التي تبناها وناضل من أجلها ، وكذلك اللّفتات البديعة سواء منها الشرعية أو الفقهية أو الدعوية .

يكتبه بقلم أدبي رصين واسع المعرفة والخبرة ، ما يجعل القارئ في دهشة لكثرة ما يلحظه من قوته وهدوئه وبديع حروفه. مع الكتاب تشهد وتعيش بروحك نوعاً آخر من اللغة الأدبية المحفوفة بالأصالة والرصانة وحسن اختيار الكلمة .

دون التذكر وفوق النسيان ..هكذا كانت البداية ، لسيرة رجل كانت حافلة بالإنجازات والعثرات .

يستطرد بالحديث في صفحاته الطويلة بشيء من البعثرة ، وكأنه يقلب صفحات حياته في حنين وشوق إلى ذكرى حلوة، وحيناً ينظر إلى بعضها بألم فتصير حروفه إلى صفحات كتبت بدموع بدلا من حبر ، فتكون سيرته أقرب إلى خليط من الحيوات تمتزج لتشكل شخصه بكل عفوية و رضًا عن النفس.

سيرة غنية ومفعمة بكل شيء منذ الطفولة ، مروراً بمحطات حياتية وبشباب التفوا حوله ، لكن اللحمة تزداد والولاء يكبر بموت أبيه يعبر عنها الشيخ في أحد فصول الكتاب معنوناً له ب” ثم رحل“ .

يعرَّج بنا للحديث عن رحلته للرياض لإكمال الدراسات العليا بعد تخرجه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، بعد أربع سنوات قضاها مُدرساً في رحاب المعهد العلمي الذي تخرج منه ببريدة ، ونال منه قسطا كبيرا من تعليمه ، وفيما بعد التخرج يرسم لنا مراحل نموه العلمي وكيف أنه عمل جاهدا في تكوين مكتبته العامرة بجميع صنوف وفنون الكتب ، والتي كانت بيته وملجأه التي يأوي إليها إذا ادلهمت به الخطوب أو ضاقت به الهموم ، فيأنس بجوارها وينهل من معينها ويرشف من بلسمها .

ويستعرض سلمان العودة الشاب الذي نشأ وتربى في أحضان مجالس الشيخ صالح البليهي والشيخ عبد الرحمن الدوسري فتكلم عن هذه المرحلة بإيجاز معهم .

ويحدثنا عن  مراحل صعوده إلى سلم المجد وتجاربه العديدة ومروره بالكثير من محطات العلم وفنون الأدب وعظمائه وصداقاته العديدة الجديرة بالنظر ، فتحدث عن من يحبهم كما يحب ، و ترك القلم كثيراً لعاطفته التي لم تخذله ، أصدقاء عمر وتوأم روح كسبوه قبل أن يكسبهم وعرفوه قبل أن يعرفهم ، الذين حفضوا وده وعرفوا قدره من مشايخ الدعوة كالدكتور عبد الوهاب الطريري والذي أسماه ب ” نسخة الروح “والدكتور عائض القرني ، و الدكتور سفر الحوالي .

وكأدب السجون, يجعل القلب يتفطر من البكاء عندما يتحدث عن تجربته في السجن وأيام اعتقاله التي كانت الأشد إيلاماً ، لكنها محنة انقلبت إلى منحة ليقضي خمس سنوات بين جدران كهفه , ابتلاه الله بأن دخل السجن ليُحرم من أمه وأهل بيته ، وهو قابع في غياهب سجنه وحيدا ، إذ يأتيه خبر موت طفله عبد الرحمن وهو بعيد عنه الذي هيج وحرك في نفسه الأسى والحزن , وعروسه التي تركها لستة أشهر تحمل في أحشائها طفلها الأول البراء ، ليرزقه الله ولادة الطفل الذي كان مثابة الحلم الجميل والفجر الجديد . وعن دخوله السجن يقول : "هو يكتب ويرسم ويتحدث ، لا ليصنع الشفقة عند الآخرين حيال معاناة ، ولا ليعبر عن مشاعر الكراهية التي تترفع عنها النفوس الطيبة؛ بل ليعيش الحياة ذاتها بتجربة جديدة، وليشاركه الآخرون لذة عيشها حيث أصبح ذلك ممكناً."   وخلال مكوث في سجنه يكتسب الكثير من المعارف ويضع لنفسه جدولا قاسيا حتى في وقت النوم والأكل ،  ويبدأ في تعلم اللغة الإنجليزية على يد الزميل محمد الحضيف .

ويحدثنا بقلبه المكلوم عن وفاة شيخه العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله- معلمه ومربيه ، بدون أن يتبع جنازته ولا صلاة عليه قبل أن يورى الثرى .

الكتاب ملئ بمصطلحات ومقتطفات من أبيات الشعر الفصيح والعامي ، وشيئاً من اللهجة الدارجة ، وبعض الأدبيّات الجميلة والاقتباسات الرائعة لبعض المفكرين والعُظماء .

الكتاب لم يتكلم عن نفسه بصيغة المتحدث وإنما تكلّم عنها بضمير الغائب وكان يردد بين حين وآخر “وكان صاحبنا “- أي يقصد نفسه- .

 تعيش حياة كاملة مليئة بالتفاؤل والبساطة والشخصية الجميلة بكل التفاصيل مع أروع وأصدق وأنبل المشاعر وعبر أعمق الأفكار وأحسن الآراء .

* ومن اللفتات الجميلة قوله :
تسألني نورة .. هل تحبني ؟
فقلت لها : لا تسألي !
أنا أحب الشمس في سمائها
أنا أحب البدر في اكتماله
وأعشق النجوم
أشتاق للورد في آكامها
وقطرات الطل في أكمامها
وللشذى الفواح
تشمه الأرواح
وأنت يانورة كل هذا
وفوق كل هذا
حين أقول : أنت أنا
فإنني لا أرسم الحروف
هي التي ترسمني  !

** تُعلمك هذه الصفحات دروسًا لا تتسع لها الذاكرة الحرفية و لكنها محفورة في الذاكرة الشعورية و العقلية منها :-
- و الله خير حافظا
- ربَّ حماسة قالت لصاحبها دعني
- جنتي في صدري
- لكل منّا قصة تبدأ منذ أن كتبنا الله في اللوح المحفوظ و تنتهي حتى يتوفانا في الدنيا، بها من الرموز والإشارات ما يستحق التفكّر والتأمّل ، وقلّما يفعل ذلك الكثيرون.
- كن بخير و الآخرون بخير
- لا توجد وِحدَة في العزلة مادام الله معك
- كل أمر ابن آدم خير و من سخط فله السخط و من رضي فله الرضا
- ابتسم و الدمع في عينيك

Leave a Reply