Advanced

ماذا علمتنــي الحيــاة - جلال أميــن

إن إبداع هذا الكتاب الذي يعد سيرة ذاتية في أنه تأريخ لحياة طويلة حافلة لإنسان ناجح وأن صاحبه قد جعل وقدّم حياته عبر تاريخ أمة من خلال واقعها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، ومن خلال حياته البسيطة المتواضعة هو وأسرته . أرَّخ لحقبة زمنية غاية في الأهميــة ، التي تمتد من نهاية الثلاثينات وحتى السنين العشر الأول من القرن الحادي والعشرين . حياة طويلة ممتدة تزخر بالأحداث والمواقف ، انتقل في سهولة ويسر بين مصر وانجلترا والولايات المتحدة والكويت وكان عرضه للحياة في الهند وماليزيا وبنجلاديش وإندونيسيا والفلبين وتايلاند ونيبال من الروعة بمكان ، حيث عمل على المقاربة والمقارنة بين الدول الفتية والدول التي توصف بالعجوز ، فيعمد إلى ذِكر أدق التفاصيل بأسماء من فيها وانطباعه عنهم وقت وجوده فيها ، ليلخص ما راوده برؤية وفكرة استلهمها ، ليس الأمر مجرد هراء وكلام ليس تحته كثير فائدة . بل هو فكر حكيم عارف خبير في تجارب حياتية عديدة ، على أن أكثر ما يجذب الانتباه ويؤثر في القارئ هو الفصل الأخير حيث يروي لنا فيه عن كبر سنه والأفكار التي تذهب وتجئ في عقله .

فمما يساهم في إبصارنا وإرشادنا لبعض ما توصل له من مفاهيم وقيم أن كثيرا من الأمور التي تبدو في منظورنا ورؤيتنا لها مهمة حينما نبلغ من الكبر مداه ، لنجد أننا أرهقنا أعصابنا وأنفسنا وزهرة شبابنا فيما ليس مهم ولا طائل تحته أو قيمة تستثمر ، وأن الإنسان لابد أن يكون أكثر نضجا ووضوحا وتريثا حينما يفكر بحياته ومستقبله وهدفه و ما يريده من هذه الدنيا بالتحديد ،إنه كلام من القلب إلى القلب ، كلام في الصميم وعميق جدا لفهم أغوار الحياة وأسرارها ، وما نحن سائرون إليه مُقدمِون عليه ، وما نحن لاهثين وراءه أهو حقيقة أم سراب ؟ .

ربما يكون كلام كاتبنا جلال أمين كئيبا ومحبطا بعض الشئ ، لكنه في الحقيقة ما يؤدي بك لكي تقف مع نفسك على أمور عديدة في حياتك لتتساءل إن كان الطريق الذي أنت سائر فيه سيؤدي في النهاية إلى شي ما ذا قيمة ، تحبه ويسعدك وينفع الناس ، أم أنه مجرد سعي ضائع وراء مال أو شهرة زائفة أو تحقيق أمر لمجرد أن تُوجِد لك مكان بين الآخرين .

أسلوب الكتاب فيه من السلاسة الشئ الكثير ، يضع القارئ كمراقب لما جرى على مصر و العالم من تغيرات في الستين سنة الأخيرة، بدءا من ثورة 52 و فترة الملكية و الجمهورية و نهاية بحقبه حسني مبارك ، من وجهة نظر المثقف المراقب لمجريات الأرض لا الكاتب الخبير في دهاليز السياسة .
يعتبر كاتبنا من الرجال المخضرمين الذي عاش ما قبل الثورة ، وعاصر الثورة و المد الاشتراكي الذي أصاب الساحة العربية و كان عليها مراقبا عادلا ، وشهد بما أولته وأعطته لنا وما أخذت منا ، و شاهدا على عصر الانفتاح والتمدد والهيمنة الأمريكية وعصر ضياع الهوية العربية والإسلامية الذي نحن نعيش فيه تائهون حائرون نبحث عن نقطة نور وإمضاءة فكر لكي ترشدنا إلى الطريق الصحيح .
في زماننا الذي يعتبر مسخا من شدة التناقضات وكثرة الرؤى والآراء ، فقد عز أن نجد إنسان حقيقي صامد وصادق ، ربما نعجب بقدر ما نفرح أنّ مثل هذا الكائن استطاع أن يصمد وسط كل هذا الدنس وأعاصير الفتن والمحن .

ما يدعو للألم من منظور الكاتب لِما رآه وعايشه من أحداث وثورات شاطرها آماله وآلامه حزنه وفرحه ، أنْ كلما طال الزمن زادت الأيام والأحداث من هذه الأجيال بؤسا و شقاءً وأكسبته تعاسة عن ذي قبل ، وزاد انحطاط الموروث والمكتسبات الأخلاقية واندثرت قيمة الأشخاص وانتشر الفُحْشْ ، ليس فقط في مصر ، بل حتى في جميع دول العالم ومنها انجلترا التي عاش فيها و تزوج واحدة من بناتها  !.

هذا الكتاب بديع بكل معنى الكلمة، وكل محب للقراءة ومولع بالسير الذاتية ، سيجد به وجبة تسمو بها نفسه وتنير له عقله ليستضئ بها في درب الحياة . يقول أورويل صاحب كتاب ( لماذا أكتب ) " أن السيرة الذاتية التي لا تخلو من فضيحة لا تكون صادقة ”، وهنا ستجد الكثير من الفضائح ، فهو يتحدّث دون قيد أو حساب عن أسرته وأصدقائه وحياته العملية وآرائه الفكرية، يجيء بكل ذلك في أسلوب سلس رصين ومنظّم بشدة ومقنع .

لم يلتزم (جلال أمين) بترتيب معين في طريقة سرد الأحداث، خاصةً عندما كتب الجزء الأخير من الكتاب ، وكأنه يرى ويعيش المواقف كلما تذكرها ولاحت أمامه ، وهذا عمّق من تلقائية الكتاب وأزال الكثير من الحواجز النفسية حتى إنك لتشعر أنه يجلس معك تتبادلون أطراف الحديث وتتقاسمون الأفكار والتجارب .

لقد مس جلال أمين المناطق الخفية والمبهمة في داخل كل منا ، وعبر عن بعض اتجاهات وقناعات وأفكار الكثير ، وحمل للناس رغبة قوية لمعرفة كيف تعيش حياتها .

وبالرغم من تنقلاته العديدة وسفره المتواصل ؛ إلا أنه ومن خلال كل ذلك يؤكد ويعمق فكرة أن مصر ليست كأخريات الدول حتى ولو حاولنا إلصاقها بغيرها أو صبغها بما لا يناسبها ظنَّا منا أنه الأكثر مناسبة وملائمة ؛ إلاّ أن مصر تعتبر وتبقى بحق نتاج خليط ثقافي وتراث حضاري وموروث علمي مغاير ، والتفاوت المجتمعي الهائل يصعب معه أن تحكم هل هي تلك الدولة الفتية أم العجوز ؟  هل هي بهذا الصبر والخنوع أم أنها فقط مسألة وقت لتنطلق وتنفض الغبار عنها ؟ .

في هذا الكتاب يقوم بنا الكاتب بجولة على نظام الحياة في بيت العائلة وعلى فترة صباه وتعليمه ، لتتعرف على أحمد أمين "الأب " والمعلم وطباعه وعلى الأم المربية البسيطة وسلوكها في التعامل مع أولادها ، والأخوة والأخوات السبعة وعن ميولهم وأسلوب حياتهم ، وقصص نجاحهم و فشلهم في الحياة .
ويربط كل ذلك بالوطن ومظاهره وما يمر به من أحداث ومواقف ، ويتعرّض لانضمامه لتيارات مختلفة مثل حزب البعث وإيمانه الراسخ بالماركسية ومن ثم العودة عن أفكارها ، وكذلك وقوع الثورة ومعايشته لأحداثها .

أظهر وضوح جلال أمين نقدا لاذعا جريئا لسياسات كلا من جمال عبد الناصر وأنور السادات ،  فهو لم يرضى إطلاقا عن ما أنجزه وحققه السابقين من الرؤساء لمصر ، وقد ظهر عدم رضاه هذا أكثر من مرة في ثنايا كتابه حتى أنه بلغ به الأمر إلى وصف السادات بأنه " محدود الذكاء وغير جاد مغامر ولكن لمصلحته الشخصية كثير المزاح قليل الصبر على القراءة أو التفكير أو العمل الجاد مع إفراط في الحرص على الفخفخة والمظاهر الكاذبة " ، وعمل أيضا على نقد طريقة السادات في تسيير أمور الحكم واتخاذ القرارات ، بداية من تلميح السادات لرغبته في السلام مع إسرائيل ، مرورا بزيارته التاريخية للقدس وانتهاء بفرحه الشديد لاغتياله ومقتله .
كما أنه أنتقد بشدة فترة حكم عبد الناصر وقراراته غير الصائبة التي لم تكن أبدا في مصلحة الأمة .
علي الطرف المغاير ظهر نقده اللاذع ل( ثروت أباظة ) في حياته وحتى بعد مماته ، إذ كتب جلال أمين مقالا مطولا وتحدث فيها عن ظاهرة ثروت أباظة التي حوت وجمعت بين تناقضين إحداها قلة موهبته أو بالأصح هو انعدامها كليا -علي حد قوله-  وبين الشهرة والصيت اللذان حظي بها والتصقا به في حياته ولفترة تكاد تكون قصيرة بعد مماته .

وانقل للحديث عن سفرياته بالخارج سواء للبعثة في لندن أو للعمل في الكويت أو للبحث العلمي في لوس أنجلوس .

تكلّم عن وصفه لنمط الحياة في الكويت ونمط الحياة في أوربّا وأميركا وكيف أنّ الرّفاهية والرخاء الزائد يؤدي إلى أن تفقد الحياة لذتها ورونقها ، إذ يذهب عنصر التّحدّي والإثارة والتّرقّب والانتظار الذي يجعل الشّخص دائم السّعي والبحث والجدّ ومن ثمّ المتعة التي سينالها عندما ينال ما كان يصبو إليه وتعب وصبر للحصول عليه وقد حصل ما تمنى وسعى إليه .
وعندما جاء على ذكر نمط المجتمع الأمريكي كان كلامه من الروعة بمكان ، إذ أنك لتجده قد عرض وبشكل موضوعي ما يخفى على المشاهد من بعيد ما يدور في خَلَد وذهن ذاك المجتمع ، وطبيعة تفكيره ورؤيته ، فما أسوأ ما أن يكون الكل متّجه بفكره وقلبه ووجدانه للمظهر والزينة لا لما في داخل النفس من أخلاق وضمير راق .

جاءت أيضاً مقارنته للحياة العامّة والمجتمع المدني الإنكليزي في أوائل السّتينات يوم كان يدرس فيها ومشاهدته لما يجري على مدار الأعوام وهو الذي لم ينقطع عن زيارتها في كل عام لما يزيد عن نصف قرن .
وقد أذهل الكاتب تدنّي المستوى الأخلاقي وازدياد الانفتاح والتّردي في الرذيلة الذي أصاب النّاس والحياة هناك ، حيث إن ذلك لا يدل على التطور والتقدم ولا يعتبر دليل تقدّم ورقي ، لا بل هو منذر بأفول هذه الحضارة وانطفاء نجم ذاك التّقدّم إن استمرّ ذلك على نفس الوتيرة .
ومن الجوانب التي يفرد لها حديثاً ممتعاً حبّه للتدريس وعلاقته بالطلبة سواء في عين شمس والأكثر عندما كان في الجامعة الأمريكية.
ويعتبر آخر ما خطته يده في الكتاب هما الفصلان المسميان ب " المرض والشيخوخة " و" البدايات والنهايات "، حيث وضع بهما عصارة فكره وخبرة رجل عظيم ناضل ليتعلم ويصل ومثقّف بارز قاتل بقلمه ، عاش وصال وجال بين الأماكن وخاض غمار المعارك ، تشعر به بروحك كمعلم ، يعلمك كل أساليب الحياة التي ارتوى من معينها ، تستقي منه الدروس والعبر التي أحزنته وأفرحته .
ومما يقوله في هذا الصدد "من المذهل إذن كيف بدا للغالبية العظمى من هذا الجيل أنه لا حل أمامهم إلا السفر. لقد فتحت مصر أبوابها أمام العالم فجاء العالم إليها ولكنه طرد المصريين منها!" .

Leave a Reply